المسلمون أمس واليوم (2)

من نحو خمسة قرون فقد المسلمون مركزهم العالمي , وأصبحوا حيث حلوا عنوان الذل والعبودية وحلفاء الفقر والمسكنة , ولم يكن تأخرهم راجعاً إلى بيئتهم كما يذهب الباحثين , فهم يسكنون ببيئات تختلف حرارة وبرودة , وتختلف خصباً وجدباً , وتختلف جفافاً ورطوبة , وهم مع ذلك في مستوى واحد من الضعة والتأخر على أن الأمر لو كان يرجع إلى البيئة ما تداول عز وبؤس ونعيم وشقاء , وسيادة ا لأشراف وصعلكة العبيد . وكانوا على حال واحدة أبداً , لأن البيئة تلازمهم أبداً _ كما أن الأمر لا يرجع إلى ما يجري في  عروقهم من دم , فدمهم الذي يجري فيهم اليوم هو نوع الدم الذي كان يجري في عروقهم أمس , وقد بطلت نظرية أن الله اختار من عباده جميعاً شعباً واحداً عهد إليه بتنظيم العالم وسيادته هو الشعب الآري , فليس من أمة إلا وهي خليط من دماء مختلفة ولو كان كذلك لما حروا وذلوا وعلوا وسفلوا , وليس أمر المسلمين كذلك يرجع إلى دينهم فدينهم قديماً كان هو سبب سعادتهم وهو الذي انتشلهم من بؤس وأعزهم من ذل _ والدين متى كان صالحاً في أسسه كالإسلام كان باعثاً على الإصلاح لا الفساد , وعلى النهوض لا الانحطاط إنما هو ككل دين يختلف باختلاف العين التي تنظر إليه , فإن صلحت العين صلح ما تنظر إليه , وإن ساءت ساء , بل قد رأينا في تاريخ الأمم عيناً صحيحة وديناً مريضاً استطاعت العين لصحتها أن تصلح منظره وتجمل شكله .
على أني لا أرى أن المسلمين تأخروا وانحطوا بالمعنى الحرفي الذي يفهم من الكلمة ، ولكني أعني الرجوع إلى الوراء , بل كل ما في الأمر أنهم وقفوا حيث كانوا من خمسة قرون , وغيرهم سائرون , وناموا وغيرهم أيقاظ , فلما بدءوا ينتبهون رأوا الشقة بعيدة واللحاق يتطلب عزماً قوياً وجهداً بالغاً .

مظاهر هذا الوقوف وإن شئت فسمه الركود متجلية في كل مرفق من مرافق الحياة _ ففي اللغة وهي أداة الثقافة , وآلة العلم ووسيلة الرقى العقلي _ وقفنا حيث انتهى الأمر بالدولة العباسية , ولم نساير الزمن ولم نخط معه خطواته , تغير وجه الحياة , واخترعت ألوف الآلات , ومعاجم لغتنا _ كما هي _ لا تعترف إلا بما كان , وتهمل ما هو كائن وما سيكون , فلا هي توسعت في مدلول الكلمات العربية ووضعت منها أسماء للجديد , ولا هي سمحت بالكلمات الأجنبية أن تدخل من غير تعديل أو بتعديل , والخلاف محتدم , والنزاع قائم , ومركزنا كما هو لم نتقدم فيه شبراً _ مع أنا واجهنا هذا الأمر منذ احتكاكنا بالمدنية الحديثة , وحرنا في تصرفاتنا فحيناً ندرس كثيراً من المواد في مدارسنا بلغة أجنبية وحيناً تأخذنا العزة القوية فنحولها إلى العربية , والنقص كما هو والموقف كما هو .

وكان موقفنا في الأخلاق موقفنا في اللغة , فالمدنية الحديثة كان لها من الأثر ما غير قيم الأخلاق , وقلب أوضاعها وطبعها بطابع جديد . ذلك أن أكبر أسس المدنية الحديثة وأهم أركانها الصناعة _ ومن أجل هذا قومت الأخلاق من جديد على أساس الصناعة _ ورتبت قائمة الأخلاق ترتيباً يتفق والصناعة , فخير الأخلاق النظام , والنظافة , والصدق في المعاملة , والمحافظة على الزمن , والاقتصاد , وما إلى ذلك , وجعلت هذه الصفات في المنزلة الأولى , ووضع للعمال نظم لحمايتهم وترقية شئونهم من نقابات وجمعيات , وقلبت القائمة التي وضعت في القرون الوسطى رأساً على عقب , فالحياء والتواضع والسماحة ونحوها قل أن تعد فضائل , وإذا سمح بعدِّها ففي ذيل القائمة لأنها لا تتناسب مع أخلاق القوة وأخلاق الصناعة , فليس خير الصناع أشدهم حياء وأكثرهم تواضعاً , ولكن خيرهم أقواهم وأمهرهم , وأحفظهم نظام , وأشدهم مراعاة لموعد وهكذا _ وجاء العلم فخدم هذا النظر لأنه رقى في الصناعات رقياً عظيماً بفضل ما يقدمه لها كل يوم من مكتشف جديد , وبجانب هذا تحكم العلم في تقويم الأخلاق .

فغير الأنظار القديمة وجعل المقياس سعادة الناس ورفاهيتهم في الحياة الدنيا , ولم يعبأ بالتقدير المأثور عن السلف , فنظر من جديد إلى الموسيقى والألعاب وسائر الفنون وحكم بالحسن على ما كان يحكم عليه من قبل بالقبح , وعد كثيراً مما كان قبل إثماً وحراماً وجريمة ، محمدة وخيراً وفضيلة , ورأى أن ما في حياة القرون الوسطى من رهبنة واعتكاف في الأديرة والتكايا ونحو ذلك , عيشة كسل وخمول لاتتفق وخير الناس ( فمن لم يعمل لا يأكل ) جرى كل هذا والمسلمون حائرون بين تقاليدهم القديمة وما تقدمه المدينة الحديثة من نظر جديد _ والزمن لا ينتظرهم في حل الأشكال واختبار أحد الطريقين . فلما ترددوا جرفهم الزمن طوعاً أو كرهاً من غير أن ينظرهم حتى يبتوا فيما يتفق وأخلاق المدينة الحديثة مع تقاليدهم ودينهم وتاريخهم , ومالا يتفق .

ويطول بنا القول لو عددنا كل مرفق من مرافق الحياة وأبنا ما أصابه من ركود فنجتزئ بما ذكرنا من أمثلة للدلالة على باقيها .

1
67
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني